التخطي إلى المحتوى
محتويات
الاتي من غبش الزمن الغابر 2019 , Short story 2019

الاتي من غبش الزمن الغابر 2019 , Short story 2019

الاتي من غبش الزمن الغابر 2019 , Short story 2019
الاتي من غبش الزمن الغابر



من وراء النافذة الزجاجية كنت ارقب المشهد ، كالقزم ، يظهر الولد الصغير من بطن الحجرة المظلمة ، دافعاً امامه مائدة صغيرة . يقترب ببطء ، ثم يختفي فجأه … كـأن الارض قد ابتلعته . يضع يديه النحيفتين علي حافة النافذة ، مقاوماً الجازبية الارضية يصعد برأسه شيئاً فشيئاً … عندها تبدوا ملامح وجهه اكثر وضوحاً . لا يتجاوز الثمانية ربيعاً ، شاحب الوجه ، اسود العينين ، تعلو شفتيه ابتسامة لا تفارقه . يمسح الشارع هنا وهناك بعيون لاتهدأ ، احياناً يرتكز بكوع يده اليمني على حافة النافذة … واضعاً ذقنه وخده في حضن كفه … كعجوز تجتر ذكريات المساءات البعيدة . احياناً اخري وعندما يلفت انتباهه شيء ما يمد رأسه من فضاء النافذة ، ويظل يتبعه بشغف شديد ، وقد يبالغ فى هذا الامر حتى انه يتكأ بكلتا يديه علي حافة النافذة مائلاً بصدرة الى الامام . عندها يستبد بي القلق ، اضرب فضاء الغرفة بيدي ، اكاد ان اصرخ . ولكنه وفي نفس اللحظة يلتفت الى الوراء مرتبكاً ….. كأن صوتاً ما يأتيه من الداخل محذراً ، يعود فيتضاءل كمان كان . لحظات ويغوص برأسه الي الاسفل صاحباً يديه معه ، يظهر في وسط الحجرة ، ثم يختفي في الظلام . يظل المشد يتكرر بين الفينه والفينه . ولكن … وما ان تدق الساعة معلنة تمام الثالثة بعد الظهر حتي يتبدل الحال ، يمد رأسه الصغير من بين فضاء النافذة ، مسدداً بصره بشغف ناحية اليمين ، تارة يشرئب بعنقه الي الاعلي ، وتارة يحرك رأسه الصغير في غير انتظام ، وكأنه يصنع لبصرة دروباً ملتوية بين الاجساد والاشياء . فجأه … تبتسم عيناه وتنفرج اسارير وجهه ، يسحب رأسه من فضاء النافذة ، يغلقها ورائه ويختفي خلف الخشب . اما هو فيترأى من علي البعد كشبح انبثق من غبش الزمن الغابر , او كشخصية مبهمة سقطت من بين دفتي كتاب قديم . عملاق … يتأرجح في مشيته كبندول الساعة ، عيونه غائرة …. كأنها تعبت وتريد ان ترتاح في مؤخرة رأسه ، اخاديد وجهه حادة غائرة غير منتظمة . فمه عارى عن الاسنان الا من واحده في مقدمه فمه رفضت الرحيل … ربما لاتريد ان تغادر الا معه . يرتدي جلباب طويل … كالح اللون ، اردفه بمعطف قصير … مترب … مرتق في غير مكان ، فوق المعطف بقايا عمامة تحيط برقبته من الخلف وتتدلي علي صدره من الجانبين . يسرع من خطواته المهتزة … ينتزع نفسه من اتون الزحام … تاركاً ورائه زرات غبار ، عبارات استهجان ، وشفاه مزمومة . يخلع معطفه المهلهل ويفرشه اسفل النافذة ، يقتعد الارض فوقه ماداً قدميه ، حذاءه المهتريء … ينفر منه نصف اصبع او يزيد . هي لحظات ويمرق الولد الصغير من فم البناية حاملاً صحن بيد وبالاخرى رغيفين ، يمد العجوز يديه النحيفتين ويلتقطهما . بعد ان يأتي علي كل ما في الصحن ، يمد لسانه ويلعق اصابعه قبل ان يلويه الي اعلي ويسحبه الي داخل فمه ، يتبقي جزء من رغيف يمسحه باصابعه ثم يسقطه فى جيب جلبابه . يفرك كفيه ، يمرر كل منهما علي الاخر ، ثم يرفعهما الي الاعلي شاخصاً ببصره نحو السماء . يكون الولد الصغير قد عاد حاملاً كوباً من الماء ، ينهض ببطء ، ينفض التراب عن معطفه ويلقي به علي منكبيه ، يرتشف الماء الذي ينساب بعض منه علي صدره وينزلق حتي يلامس جلبابه ، يربت على رأس الولد الصغير ، الذي يتسلقه بعينيه من اسفل الي اعلي ، عندما تتلاقي اعينهما ، يتمتم العملاق بكلمات غير مفهومة ، يخرج بعض الحلوي من جيبه ويدسها في يد الولد الصغير ، قبل ان يعطيه ظهرة ويمضي الي حال سبيله . يظل يتبعه بعينيه الصغيرتين حتى يختفي عن نظره … او يغيبه زحام . اليوم … مر شهر او يزيد علي رحيل الولد الصغير ، ولكن العملاق … الأتي من غبش الزمن الغابر ، وما ان تدق الساعة معلنة الثالثة عصراً ، حتي يأتي من بعيد ، يفرش معطفه اسفل النافذة ويجلس فوقه ، يظل لفترة قد تطول او تقصر يوزع نظرات الترقب بين النافذة الموصده ومدخل البناية ، قبل ان يلملم نظرات اليأس ويقف ببطء ، ينفض التراب عن معطفه ، يلقيه علي منكبيه ، وعلي غير ماكان يفعل فيما مضي ، يعود من حيث اتي .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *